في القرن الثامن الهجري برز اسم ساطع، يعد من أكبر المفسرين للقرآن العظيم، و ألف أكبر موسوعة تاريخية البداية والنهاية، جمع في شخصيته بين سعة العلم، و قوة الحفظ، و دقة التحقيق، و حسن التصنيف، حتى أصبح اسمه مرتبط بأعظم كتب التراث الاسلامي، تفسير القرآن العظيم و البداية و النهاية. انه إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي و الملقب بان كثير.
النشأة والبدايات (701هـ – نحو 720هـ):
وُلِد ابن كثير سنة 701هـ في قرية مجدل، إحدى قرى بُصرى في جنوب بلاد الشام، في بيئة يغلب عليها الطابع الديني والعلمي. كانت تلك المنطقة آنذاك جزءًا من العالم الإسلامي الذي يعيش حركة علمية نشطة، خاصة في مدن الشام الكبرى.
نشأ ابن كثير في أسرة تهتم بالعلم، وكان والده من أهل الفقه والمعرفة، فشبّ الطفل الصغير في أجواء تُجلّ القرآن والعلماء. لكن القدر شاء أن يفقد والده في سن مبكرة، وهو حدث ترك أثرًا عميقًا في حياته، إذ وجد نفسه يتيماً في مقتبل العمر. غير أن هذه المحنة لم تُضعف مسيرته، بل كانت سببًا في انتقاله إلى مرحلة جديدة أكثر تأثيرًا.
بعد وفاة والده، انتقل مع أخيه إلى دمشق، وكانت آنذاك من أعظم الحواضر العلمية في العالم الإسلامي، ومركزًا يعجّ بالمدارس الشرعية ودور الحديث وحلقات العلم في المساجد الكبرى. هناك، بدأت ملامح شخصيته العلمية تتشكل بوضوح؛ فحفظ القرآن صغيرًا، وشرع في حضور مجالس العلماء، مستفيدًا من البيئة العلمية الزاخرة التي كانت تزدهر في ظل الدولة المملوكية.
مرحلة التكوين العلمي والتأثر بالمشايخ (نحو 720هـ – 740هـ):
في هذه المرحلة تبلورت شخصية ابن كثير العلمية، وبدأت ملامح نبوغه تظهر بوضوح بين أقرانه. لم يعد مجرد طالب علم يحضر الدروس، بل صار ملازمًا لكبار الشيوخ، ينهل من علومهم، ويتأثر بمناهجهم، ويُكوّن لنفسه رؤية علمية متكاملة.
كان من أبرز شيوخه ابن تيمية، الذي وجد فيه مثال العالم المجتهد الجريء في الحق. تأثر به في باب العقيدة، وفي منهج الاستدلال القائم على النصوص من القرآن والسنة، مع تقديم الدليل الصحيح على الرأي المجرد. ومن خلال ملازمته له، تعلّم قوة الحجة، والاعتماد على التحقيق العلمي، وعدم التعصب للمذهب عند ظهور الدليل.
كما أخذ عن الحافظ الذهبي، المؤرخ والمحدّث الكبير، فاستفاد منه في علم الرجال والتاريخ، ودقة التمحيص في الروايات. كان الذهبي مدرسة قائمة بذاتها في نقد الأخبار وتمييز الصحيح من الضعيف، وهو ما انعكس لاحقًا في أسلوب ابن كثير في التفسير والتأريخ.
وتتلمذ كذلك على الإمام المزي، صاحب كتاب "تهذيب الكمال"، أحد أعظم المصنفات في رجال الحديث. وقد ازدادت الصلة بينهما قوة حين تزوّج ابن كثير ابنته، فصار قريبًا منه علمًا ونسبًا، ولازمه ملازمة طويلة، فتأثر بدقته الحديثية ومنهجه النقدي.
خلال هذه السنوات، انصرف ابن كثير إلى التحصيل المكثّف، فبرع في علم الحديث روايةً ودراية، وحفظ الكثير من المتون والأسانيد، حتى عُرف بقوة حافظته وسعة اطلاعه. وفي الوقت نفسه، رسخت قدمه في الفقه الشافعي، مع احتفاظه بروح أهل الحديث في تقديم النصوص والترجيح بالدليل. وهكذا خرج من هذه المرحلة عالمًا متكامل الأدوات، يجمع بين التفسير والحديث والفقه والتاريخ، ممهّدًا الطريق لمرحلة التأليف الكبرى التي ستخلّد اسمه في كتب التراث.
مرحلة النضج العلمي والتدريس (نحو 740هـ – 750هـ):
بدأ ابن كثير في هذه المرحلة يُدرّس ويفتي ويُحدّث. تولّى مشيخة دار الحديث الأشرفية بدمشق، وهي من أهم المؤسسات العلمية في عصره.
أصبح اسمه معروفًا بين العلماء والطلاب، وبدأت شهرته تنتشر في الشام وخارجها. كانت هذه الفترة تمهيدًا لدخوله مرحلة التأليف الكبرى.
مرحلة التأليف الكبرى – كتابة تفسير القرآن العظيم:
بدأ ابن كثير في تأليف تفسير القرآن العظيم في مرحلة نضجه العلمي، ويرجّح أنه شرع فيه بعد منتصف القرن الثامن الهجري، حين اكتملت أدواته في علوم القرآن والحديث واللغة.
منهجه في التفسير
-
تفسير القرآن بالقرآن.
-
تفسير القرآن بالسنة الصحيحة.
-
الاعتماد على أقوال الصحابة والتابعين.
-
العناية بالأسانيد، وتمييز الصحيح من الضعيف.
-
تجنب الإسرائيليات أو التنبيه عليها.
هذا التفسير يُعدّ خلاصة خبرته في الحديث والعقيدة والفقه، وقد كتبه في مرحلة استقرار علمي، حيث كان قد تفرغ نسبيًا للتصنيف، بعد أن رسخت قدمه في التدريس والإفتاء.
استمر في تنقيحه والإضافة إليه سنوات طويلة، مما يدل على أنه لم يكن عملاً عابرًا، بل مشروع عمر.
مرحلة التأريخ الموسوعي – كتابة البداية والنهاية:
في مرحلة متقدمة من حياته، اتجه ابن كثير إلى التأليف التاريخي الكبير، فصنّف كتابه الضخم البداية والنهاية.
زمن ومكان تأليفه:
ألّفه في سنوات نضجه المتأخرة، بعد أن تراكمت لديه معرفة واسعة بالتاريخ والحديث وأحوال الرجال. ويبدو أن تأليفه كان ممتدًا على سنوات، وكان يُضيف إليه أحداث عصره سنةً بسنة.
مضمون الكتاب:
-
يبدأ بذكر خلق السماوات والأرض وقصص الأنبياء.
-
ينتقل إلى السيرة النبوية.
-
ثم تاريخ الخلفاء والدول الإسلامية.
-
ويختم بأحداث عصره، مسجّلًا الوقائع السياسية والاجتماعية في بلاد الشام ومصر.
ثم يتطرق الى أحداث نهاية الزمان ز علامات الساعة الصغرى و الكبرى.
امتاز الكتاب بجمعه بين الرواية التاريخية والتحقيق الحديثي، إذ لم يكن مجرد ناقل للأخبار، بل كان يُعلّق ويُضعّف ويُصحّح، مستفيدًا من خبرته كمحدّث.
سنواته الأخيرة والوفاة (نحو 760هـ – 774هـ):
في أواخر حياة ابن كثير، وبعد سنوات طويلة قضاها بين حلقات العلم ومجالس التدريس والتصنيف، بدأ بصره يضعف تدريجيًا حتى قارب أن يفقده. غير أن هذا الابتلاء لم يثنه عن مواصلة رسالته؛ فظلّ يُملي على تلاميذه، ويُراجع ما كتبه، ويُدرّس ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. كانت روحه العلمية أقوى من جسده، وكانت همّته في نشر العلم لا تعرف التراجع.
في تلك المرحلة، كان قد بلغ منزلة رفيعة بين علماء الشام، فأصبح مرجعًا يُرجع إليه في الحديث والتفسير والتاريخ. يقصده الطلاب من أماكن متعددة، يستمعون إلى دروسه، وينقلون عنه علمه، ويستفيدون من طريقته في التحقيق والترجيح. وقد اجتمع له في أواخر أيامه تقدير العلماء ومحبة العامة، لما عُرف عنه من تواضع ووقار وسعة علم.
وفي سنة 774هـ، أسدل الستار على حياة حافلة بالعطاء، فتوفي في دمشق، المدينة التي شهدت نشأته العلمية ونضجه وتأليفه لأعظم كتبه. ودُفن بالقرب من شيخه ابن تيمية، في مشهد يحمل دلالة رمزية عميقة؛ إذ اجتمع الشيخ وتلميذه في مثواهما الأخير، بعد أن جمعتهما في الحياة رابطة العلم والمنهج والفكر. وكأن التاريخ أراد أن يختم قصة التلميذ الوفي بجوار معلمه الذي تأثر به وسار على نهجه، لتبقى آثارهما العلمية شاهدة على ذلك الارتباط عبر القرون.
علاقة ابن كثير مع العلماء الاخرين:
علاقة ابن كثير مع ابن تيمية:
و بهاذا نقول أن اسم ابن كثير لم يمت، بل يظل معنا من خلال نمط عيشه، من زهد و تواضع و سعيه نحو المعرفة. و يظل اسمه أيضا من خلال كتبه العظيمة و المهمة، فتفسير القران العظيم مهم لفهم معاني الايات و التمعن في كلام الله. و كتاب البداية و النهاية مرجع أساسي لمعرفة تاريخ الأنبياء و بداية الخلق.

